السبت، 15 مايو، 2010

المرأة والمشاركة فى التنمية

اعداد / مصطفى أنور فضالة

مقدمة


لا شك أن المرأة حققت إنجازات كثيرة على صعيد إستعادة حقوقها المهضومة، وأثبتت كفاءة وإقتدار في الأعمال التي إستطاعت الوصول إليها، وبالتالي سعيها الدؤوب للمشاركة الفعلية في عملية التنمية .
إن من أعظم ما تركه لنا القرن العشرون مفهوم التنمية الشاملة الذي تفاوت حظ تطبيقه بين دول العالم، ولكنه أصبح من بين الأسس الثابتة لقياس تقدم المجتمعات، ودليلاً على أن التنمية أصبحت تمثل مطلباً ملحاً وأساسياً لكل المجتمعات المعاصرة، وذلك لما تنطوي عليه من مضامين اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية هامة، وأيضاً لما ينتج عنها من نتائج حاسمة في حاضر هذه المجتمعات ومستقبلها.
وإذا كان الهدف الأساس من التنمية هو سعادة البشر وتلبية حاجاتهم، والوصول بهم إلى درجة ملائمة من التطور وتعميق إنسانيتهم، فإنها فى حد ذاتها، لا تقوم إلا بالبشر أنفسهم الذين هم أهم وسائل تحقيقها.
وفي إطار الاهتمام بقضية التنمية الشاملة، وانطلاقاً من أن التنمية ترتكز في منطلقاتها على حشد الطاقات البشرية الموجودة في المجتمع دون تمييز بين النساء والرجال، يصبح الاهتمام بالمرأة وبدورها في تنمية المجتمع جزءاً أساسياً في عملية التنمية ذاتها، بالإضافة إلى تأثيرها المباشر في النصف الآخر، ذلك أن النساء يشكلن نصف المجتمع وبالتالي نصف طاقته الإنتاجية، وقد أصبح لزاماً أن يسهمن في العملية التنموية على قدم المساواة مع الرجال، بل لقد أصبح تقدم أي مجتمع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى تقدم النساء وقدرتهن على المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبقضاء هذا المجتمع على كافة أشكال التمييز ضدهن .

التعريف بدور المرأة

سطّرت المرأة في العصور القديمة والحديثة وخاصة في المجتمعات الإسلامية أسطراً من نور في جميع المجالات، حيث كانت ملكة وقاضية وشاعرة وفنانة وأديبة وفقيهة ومحاربة وراوية للأحاديث النبوية الشريفة.
وإلى الآن ما زالت المرأة في المجتمعات الإسلامية تكد وتكدح وتساهم بكل طاقاتها في رعاية بيتها وأفراد أسرتها، فهي الأم التي تقع على عاتقها مسؤولية تربية الأجيال القادمة، وهي الزوجة التي تدير البيت وتوجه اقتصادياته، وهي بنت أو أخت أو زوجة، وهذا يجعل الدور الذي تقوم به المرأة في بناء المجتمع دوراً لا يمكن إغفاله أو التقليل من خطورته.
ولكن قدرة المرأة على القيام بهذا الدور تتوقف على نوعية نظرة المجتمع إليها والاعتراف بقيمتها ودورها في المجتمع، وتمتعها بحقوقها وخاصة ما نالته من تثقيف وتأهيل وعلم ومعرفة لتنمية شخصيتها وتوسيع مداركها، ومن ثم يمكنها القيام بمسؤولياتها تجاه أسرتها، وعلى دخول ميدان العمل والمشاركة في مجال الخدمة العامة .
ومنذ بداية العقد العالمي للمرأة (1985-75) وحتى مؤتمر بكين 1996، بدأ الاهتمام العالمي بقضية تنمية المرأة وتمكينها من أداء أدوارها بفعالية مثل الرجل، والمشاركة في اتخاذ القرار في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد واكب هذا الاهتمام العالمي اهتمام كثير من الدول والهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية .
المرأة في بعض بلدان العالم الإسلامي إلا دلـيـل عـلـى اهتـمـام المنـظمـة الإسـلاميـة للتـربـية والعـلـوم والثــقافة بدور المرأة وحرصها على تمكينها من دورها الحقيقي في المجتمع
ودعم دور المرأة ومكانتها ومنحها حق العمل في الميادين كافة، انطلاقاً من أهمية مكانة المرأة في المجتمع ودورها في تحقيق استقرار الأسرة.
ويلاحظ ارتفاع معدلات خصوبة المرأة في هذه البلدان، وذلك يرجع إلى العوامل الاجتماعية وعوامل ترتبط بالتراث الثقافي لهذه البلدان، وهذا الحجم المتزايد من السكان رجالاً ونساء يطرح سؤالاً : ما الأدوار التى تقوم بها هذه الجموع البشرية من النساء في حاضر المجتمعات الإسلامية وفي مستقبلها ؟ وإلى أي مدى ترتبط هذه الأدوار بما يهيئ لها من فرص الإعداد ووسائله لمواجهة الحياة حتى تتحول من دور واعد بالإمكانية إلى قوة مؤثرة بالفعل، وحتى تصبح طاقة منتجة لا عبئاً ثقيلاً ينوء المجتمع بتكاثره .
مفهوم التنمية

التنمية بأنها عملية زيادة الخيارات المطروحة على الناس ومستوى ما يحققونه من رخاء، وهذه الخيارات ليست نهائية أو ثابتة. وبغض النظر عن التنمية فإن عناصرها الأساسية الثلاثة تشمل القدرة على العيش حياة طويلة وفي صحة جيدة، واكتساب المعرفة، والتمتع بفرص الحصول على الموارد اللازمة لعيش حياة لائقة. ولا تقف التنمية عند هذا الحد، فالناس أيضاً يقدرون جيداً الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإتاحة الفرص أمامهم للإبداع والإنتاج.

مفهوم تنمية المجتمع

تنمية المجتمع بأنها العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات ولمساعدتها على الاندماج في المجتمع والمساهمة في تقدمه بأقصى قدر مستطاع.
مفهوم الدور :
الدور بأنه مجموعة من الصفات والتوقعات المحددة اجتماعياً والمرتبطة بمكانة معينة. والدور له أهمية اجتماعية لأنه يوضح أن أنشطة الأفراد محكومة اجتماعياً، وتتبع نماذج سلوكية محددة، فالمرأة في أسرتها تشغل مكانة اجتماعية معينة، ويتوقع منها القيام بمجموعة من الأنماط السلوكية تمثل الدور المطلوب منها.
وبالنسبة للمرأة فالدور المعياري لها كإمرأة وزوجة وأم، أي الدور الذي يتوقعه منها المجتمع وينتظر منها القيام به، يتفق اتفاقاً كبيراً مع دورها الفعلي إن لم يتطابق معه .
مفهوم الدور الاقتصادي

هو كل نشاط اقتصادى تؤديه المرأة داخل أو خارج المنزل بهدف إشباع احتياجات الأسرة أو المجتمع من خلال تحقيق فائدة اقتصادية، بمعنى أن هذا النشاط له قيمة اقتصادية يمكن قياسها أو تقديرها.
مفهوم الدور الاجتماعي

هو الأنشطة التي تقوم بها المرأة في نطاق أسرتها وخاصة ما يتعلق بتربية أبنائها وعلاقة أسرتها بغيرها من الأسر الأخرى خلال عملية نشاطها اليومي والاجتماعي.

مفهوم الدور الثقافي

هو قدرة المرأة على تقييم ما تتلقاه من معارف ومعلومات من وسائل الإعلام المختلفة بما يدعم دورها في معايشة قضايا العصر والانفتاح على العالم الخارجي. ويلعب التعليم دوراً هاماً في هذا المجال حيث أنه كلما نالت المرأة قسطاً أكبر من التعليم كلما كانت أكثر فهماً وإدراكاً ومقاومة للإيحاءات والتأثيرات السلبية التي قد ينقلها الاتصال بالعالم الخارجي.

مفهوم الدور السياسي

هو الأنشطة التي تقوم بها المرأة وتتمثل في ممارستها لحقوقها السياسية والمدنية مثل حق التصويت في الانتخابات، والترشح للمجالس الشعبية والنيابية، والمشاركة في النقابات والتنظيمات النسائية، وحرية التعبير عن الرأي، والمساواة أمام القانون.
واقع دور المرأة في تنمية المجتمع
على الرغم من وجود تباين في البنى الأساسية الاقتصادية والثقافية والسياسية لبلدان العالم الإسلامي، إلا أن الدين الإسلامي هو دين الغالبية العظمى لسكان هذه البلدان.
ولما كان الدين الإسلامى أكثر تقدماً من أي دين آخر بالنسبة لمشاركة المرأة في المجتمع، لأنه أعطى صورة متكاملة عن دور المرأة ومكانتها في المجتمع، فالقرآن والحديث والتفسير والاجتهادات المختلفة تعطي المرأة مكانة خاصة تُترجم عملياً إلى أعراف تشريعية تملي عليها حقوقها وواجباتها سواء كانت ابنة أم زوجة أم أماً، فإننا نفترض وجود تطابق إلى حد ما في الأوضاع في هذه البلدان، ولذلك تم اختيار بعض دول العالم الإسلامي كعينة مختارة ممثلة لباقي الدول لنتعرف على أدوار المرأة في تنمية هذه المجتمعات.
وحين ننظر إلى الدور الذي تقوم به المرأة في التنمية، لا بد أن ننظر إليه في إطار التنمية الشاملة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي إطار التنمية المستهدفة القائمة على الأصالة والتجديد الحضاري.

الإسلام وعمل المرأة

تتمتع المرأة في الإسلام منذ أربعة عشر قرناً بشخصيتها الاقتصادية المستقلة وحريتها الكاملة في التصرف بأموالها دون إذن زوجها، لأنها في هذا كالرجل سواء بسواء، وكذلك لها أن تبيع وتُتاجر وتعقد الصفقات وتؤجر البيوت وترهنها، ولها الحق في أن تمتهن أي مهنة تحبها وتختارها، ولها أن تنتخب وتُنتخب في أي مجلس تشريعي أو سياسي أو اقتصادي، ولها أن تتولى القضاء بل لها أن تفتي في الناس بأحكام الشريعة إذا كانت عليمة بها، مثلما كانت السيدة عائشة أم المؤمنين تفتي الصحابة في المسائل التي عرفتها وغابت عنهم، أي أن الدين الإسلامي أجاز عمل المرأة في كافة المهن بما يصون كرامتها ولا يسيئ إلى أنوثتها، وأن الله يثني على من يتلقى أجراً نظير عمل، فالعاملون والعاملات لهم عند ربهم أجر عظيم، وفضلاً عن ذلك فإن الله يساوي بين الجنسين إذ يقول : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } (سورة النحل، الآية 97)، والحديث الشريف يقول : (إنما النساء شقائق الرجال)، فالمرأة في الشريعة شقيقة الرجل، لها مثل حقوقه داخل الأسرة وخارجها، ولها مثل الذي عليها بالمعروف، تلك هي بعض المعالم الرئيسة في نظرة الإسلام إلى المرأة، وهي نظرة بعيدة تماماً عن النظرة المتدنية إلى المرأة التي أفرزتها أوضاع متخلفة في تاريخ الحضارة الإسلامية اختلطت مع الزمن بتعاليم الإسلام وروح الشريعة.
معدلات مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي :
ان المرأة المسلمة تسهم في تطوير بلدها رغم أن نشاطها الاقتصادي أقل من نشاط النساء في البلدان المتقدمة وذلك لأن الإحصاءات الرسمية في البلدان الإسلامية لا تعكس إسهام المرأة الفعلي نظراً لاستناد هذه الإحصاءات إلى تقديرات، ولا تأخذ في اعتبارها إسهام المرأة الفعلي في النشاط الاقتصادي، وخاصة في المجال الزراعي والرعوي والحرفي وتهميش هذا النشاط لأنه خارج القطاع المنظم.
وتأخذ أشكال إسهامات المرأة الاقتصادية من خلال الأنشطة والأعمال التي تؤديها سواء داخل المنزل أو خارجه صوراً عديدة، منها إسهامات مباشرة وهي تبدو في شكل مادي كأجور أومرتبات تحصل عليها أو أثمان سلع ومنتجات تبيعها، أو ربح تحصل عليه من صناعة بعض المصنوعات اليدوية، أما الإسهامات غير المباشرة فتمثل قيمة المواد التي تنتجها المرأة وتستهلك داخل المنزل، وهذا يعد قيمة نقدية تساهم بها المرأة في ميزانية الأسرة وتشارك في تحسين مستوى الأسرة المعيشي.
وينبغي الإشارة إلى أن معدلات إسهام المرأة في النشاط الاقتصادي داخل قوة العمل تتباين بشكل كبير بين بلدان العالم الإسلامي، وتتباين أيضاً في الأقطار العربية في نطاق قطاعات النشاط الاقتصادي المنظم وغير المنظم، بالإضافة إلى أنها تختلف في الدول نفسها بين الحضر والريف، وبين فئات العمر، وترجع هذه الاختلافات إلى العوامل الاجتماعية والثقافية الخاصة بهذه المجتمعات.
وقد أسفرت دراسات منظمة العمل الدولية عن أن ثلث العاملين في العالم من النساء، وأن أعلى نسبة لإسهام المرأة هي سن 15 عاماً فأكثر، أما فيما يتعلق بإسهام المرأة في النشاط الاقتصادي، فقد دلت الدراسات على أنها تبلغ أقصاها في روسـيا الاتحادية 60%، وتبلغ أدناها في بعض الدول الأفريقية أقل من 10%(6).
ويتركز اشتغال النساء في القطاعات المنظمة في بلدان العالم الإسلامي بصفة عامة والبلاد العربية بصفة خاصة في مجال الخدمات، بحيث تصل النسبة في عدد من دول الخليج إلى أكثر من 80%، وتتراوح في عدد كبير من البلدان الأخرى بين 15% و35%. وهناك في بعض البلدان العربية التي تنمو فيها قطاعات الإنتاج الصناعي لا تتجاوز نسبة النساء المشتغلات في قطاع الإنتاج 16%، وتبلغ أعلاها في دول العالم الإسلامي جنوب شرق آسيا، وفى مصر نجد أن المرأة تمثل نسبة تتراوح بين 15% و20% من قوة العمل الصناعية في مصر .
ومما ينبغى الإشارة إليه أيضاً توزيع القوى العاملة النسائية حسب الفئات العمرية، وتركيز النساء المشتغلات في الفئتين العمريتين (24-20) وبين (29-25)، وتأخذ نسبة المشتغلات في الانخفاض تدريجياً بعد ذلك في معظم بلدان العالم الإسلامي.
معدلات مساهمة المرأة في القطاع الاقتصادي غير المنظم :
من المعروف أن كثيراً من الأنشطة التي تؤديها المرأة تستثنى عادة من إحصاءات القوى العاملة والدخل القومي، وخصوصاً الأعمال التي تقوم بها المرأة في الريف وفي التجمعات البدوية والرعوية، وهي أنشطة اقتصادية تسهم في دخل الأسرة والدخل القومي، ويتراوح معدل عمل المرأة في بلدان العالم الإسلامي والدول العربية في المجال التجاري والزراعي والحرفي والرعوي، وتحضير الطعام وحفظه بين 60%، ويمثل أيضاً 70% في المشاريع الاجتماعية الصغيرة وكل الأعمال المنزلية تقريباً التي تتضمن في بعض البقاع حمل الماء والإنتاج الزراعي والحطب وغيرها من الأنشطة في القطاعات غير المنظمة .
هذا إلى جانب كثير من الأعمال التي تعتبر مساندة للرجل ومهيئة لظروف عمله. وتشير إحصاءات منظمة العمل العربية إلى ارتفاع نسبة المشتغلات في القطاع الزراعي والمهن الزراعية من القوى العاملة النسائية بحيث تتراوح ما بين 25% و85% في الأقطار ذات الموارد الزراعية.

ان المشتغلات من النساء تتركزن في قطاعات اقتصادية معينة ومهن محددة في قطاع الخدمات، كما أن نصيبهن من بعض الأعمال التي تدر أجراً عالياً ما زال هزيلاً وغير متساو مع أجور الرجال. وعلى وجه التحديد يتركزن في أعمال التشييد والبناء والأعمال الزراعية وأعمال النظافة في البيوت.
ويختلف إقبال المرأة على العمل أو حتى الرغبة فيه وفقاً لبعض الاعتبارات الاجتماعية والثقافية، فالمرأة غير المتزوجة قد تقبل أعمالاً لا تقبلها المرأة المتزوجة، أو بالأحرى لا يسمح لها اجتماعياً أن تمارسها، بالإضافة إلى أن الوضع الطبقي يلعب دوراً أساسياً في قبول العمل أو رفضه .
ونظراً إلى أن المساهمة في سوق العمل ليست المقياس الوحيد لقياس مدى المساهمة في التنمية عموماً، فإننا نحتاج إلى إيجاد مفهوم مختلف تماماً لتقييم مساهمة المرأة المسلمة في الأنشطة الاقتصادية والتخطيط لمستقبلها في هذا الإطار.

نظرة الإسلام لمكانة المرأة الاجتماعية

لما كان الإسلام هو دين الغالبية العظمى من سكان دول العالم الإسلامي، وأحد العوامل الكبرى في حركة الحضارة العربية الإسلامية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فإن الأمر يقتضي أن نركز على مكانة المرأة الاجتماعية في الإسلام، وفي هذا الصدد، فإن الإسلام قد ساوى بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية واستخلفهما معاً لعمران الكون، كما نهى القرآن عن كراهية البنت، وحرم وأدها، كما كان متبعاً في الجاهلية.
إن القرآن الكريم قد ساوى بين الرجال والنساء في الواجبات الدينية وفي المسؤولية وفي الثواب والعقاب، حيث ذكر في محكم آياته : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى } (سورة النجم، الآيات 41-39).. والإنسان هنا يشمل كلاّ من الذكور والإناث بطبيعة الحال.
كما أكدت السنة النبوية على المساواة في معاملة الذكور، فالحديث الشريف يقرر >ساووا بين أولادكم فى العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء<. والمساواة في العطاء تمتد من تربية الأطفال ورعايتهم إلى إتاحة الفرص المتكافئة لهم نمواً وعملاً ومشاركة من خلال ما يتمتعون به من حقوق وما يتحملونه من مسؤوليات، ويقرر الرسول صلى الله علية وسلم هذه المساواة بين الذكر والأنثى بنصيحته للنساء اللائي جئن لمبايعته يوم فتح مكة : ( من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة ) .
أعطت الشريعة الإسلامية المرأة حرية الاختيار والقرار وحق التعرف على من يريد أن يتزوجها، ومع أن الإسلام قد استهجن الطلاق وجعله أبغض الحلال، إلا أنه لم يقصر الحق فيه على الرجل
الإسلام يرسي مكانة المرأة بالنسبة لكرامتها ولمساواتها بالرجل ولحقها في المشاركة الفعلية العريضة في شؤون الحياة، كما فعلت كثير من فضليات النساء في كثير من حقب التاريخ.

مساهمة المرأة في التنمية الاجتماعية والثقافية
يرجع اهتمامنا بالدور الاجتماعي والثقافي للمرأة إلى إيماننا بالبيئة التي يعيش فيها الطفل في السنوات الأولى من عمره، وعلى نموه مستقبلاً، فالمرأة تلعب دوراً رئيساً في تنمية الموارد البشرية الصغيرة، فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى لتربية الطفل وتنشئته، فيها يوضع حجر الأساس التربوي حيث يكون الطفل عجينة طيعة يتقبل التوجيه ويتعوده ويلتقط ما يدور حوله من صور وعادات وتقاليد وثقافة البيئة التي يعيش فيها، وفيها أيضاً يتعلم مبادئ الحياة الاجتماعية والمعارف والعادات الصحية السليمة.
ورعاية المرأة لأبنائها تبدأ قبل ميلادهم، وذلك من خلال اختيارها التغذية السليمة المتكاملة التي تفيد صحتها أثناء الحمل والرضاعة، وذلك وقاية وحماية للأطفال، حتى لا يتعرضون في هذه المرحلة إلى تأخر النمو أو قلة الحيوية ونقص المناعة، وزيادة القابلية للأمراض المعدية، ليعيشوا رجالاً أصحاء أقوياء.
وتنمي المرأة طاقات أبنائها عن طريق إشراكهم في ممارسة الرياضة، وكذلك تنمية الوعي الفكري والثقافي لديهم، وتوعيتهم دينياً وسياسياً حتى لا يقعوا فريسة لموجات التطرف، وترسخ فيهم القيم والسلوك والعادات الإسلامية المطلوبة، وهذه التنمية والتربية تقوم على أساس المساواة بين الذكور والإناث، فكل ما يتلقاه الطفل من عناية ورعاية وتنمية في السنوات الأولى من عمره يشكل أقصى حد ما سيكون عليه عند بلوغه. ودور المرأة لا ينحصر في ذلك فقط بل يتعداه إلى ما تقوم به من أعمال الاقتصاد المنزلي الخاصة بترتيب المنزل وتنظيفه، وتصنيع الغذاء، وتوزيع دخل الأسرة على بنود الإنفاق المنزلي، كما أنها في بعض الأحيان تتحمل المسؤولية كاملة في حالة غياب الزوج أو وفاته، هذا بالإضافة إلى عملها خارج المنزل.
وتعتمد درجة إسهامات المرأة الاجتماعية والثقافية على مدى الخدمات المقدمة من المجتمع التي تساعدها على القيام بهذه الأدوار، وتتمثل في منشآت للخدمات الاجتماعية كالوحدات الاجتماعية، ودور الحضانة، ومراكز التدريب والتكوين المهني، ومكاتب التوجيه والاستشارات الأسرية، ومراكز الخدمات الصحية المتمثلة في المستشفيات العامة ومستشفيات الولادة، ومراكز رعاية الطفولة والأمومة، والمستوصفات، ومراكز تنظيم الأسرة، ومنشآت الخدمات الثقافية التي تمثلت في وسائل الإعلام، والمكتبات، والأندية الرياضية والاجتماعية.
وليست المرأة في حاجة إلى الخدمات فقط، ولكنها في حاجة أيضاً إلى إعدادها الإعداد الجيد وتمكينها من القيام بكل هذه الإسهامات، فإذا كان المجتمع يريد الاستفادة من مساهمة النساء كاملة في التنمية، فعليه أن يساعدهن على أداء دورهن بالإعداد والإجراءات التي تساعدهن على تحمل مسؤوليتهن، ويتضمن هذا الإعداد إلمامهن بالمعلومات الكافية في النواحي الصحية والثقافية والبيئية، كما يتضمن هذا الإعداد تنمية مهاراتهن على استخدام هذه المعلومات في كل نواحي الحياة، وتدعيم اتجاهاتهن، وإيمانهن بأهمية دورهن في تنمية مجتمعهن وتنمية الوعي الثقافي لديهن لتتعرفن على ما يدور حولهن في العالم المحلي والخارجي، ولتعرفن حقوقهن وواجباتهن، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق المزيد من الخدمات التعليمية والبرامج الثقافية المقدمة للمرأة.
الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمرأة
بدأت الحكومات تهتم بأوضاع المرأة في كافة المجالات وتعمل على تحسينها، وتمكين المرأة من المشاركة الفعالة في جميع مجالات الحياة، واستهدفت العقود الماضية في معظم البلدان الإسلاميةالتوسع في نطاق الخدمات الاجتماعية ومرافق البنية الأساسية وتوسيع نطاق التماسك الاجتماعي والمزيد من التحسينات في كافة جوانب الرحياة الاجتماعي.
وبذلت الحكومات المركزية في معظم هذه البلدان جهوداً كبيرة لتوسيع نطاق حصول جميع الأطفال على خدمات التعليم الأساسي، كما وسعت في الوقت نفسه فرص الحصول عليه بالمجان لجميع الأطفال، وعملت على رفع مستوى تعليم البنات لإيمان هذه المجتمعات أن تعليم البنات هو الاستثمار الوحيد الأكثر فاعلية سواء عملت المرأة خارج البيت أم لم تعمل، فهو يعود بمجموعة من المنافع الإيجابية على أفراد الأسرة وتحسين أوضاعها الصحية والغذائية، وتحسين فترات الحمل والولادة، وتخفيض معدلات وفيات الأطفال وإصابتهم بالأمراض، بالإضافة إلى تحسين مستوى تعليم الأطفال، فالحكومات تركز على الصحة والتغذية والتعليم لا لقيمتهما فحسب، بل أيضاً لتأثيراتها الإيجابية المباشرة وغير المباشرة على رأس المال البشري والإنتاجية والقدرة على المشاركة والتفاعل الاجتماعي. ولنتأمل تأثيرات التعليم، فالعنف المنزلي لايتأثر بعدد سنوات الزواج أو عمر المرأة وترتيبات المعيشة أو تعليم الزوج، وإنما تتأثر بتعليم المرأة، فقد لوحظ في الهند إذا كانت المرأة قد نالت تعليماً ثانوياً فإن معدل حدوث هذا العنف ينخفض بأكثر من الثلثين.
و الصحة الإنجابية تقديم الخدمات التى تحتاجها المرأة بين فترات الحمل والولادة، مع الاهتمام بالصحة النفسية والاجتماعية للمرأة، وهذا المفهوم يتجاوز مرحلة العمر الإنجابي ويبدأ بالطفولة ويستمر إلى المراهقة والشباب والنضج وحتى بعد انقطاع الدورة الشهرية للمرأة، وبذلك أصبحت المرأة في مصر هدفاً لمجموعة من المساعدات والخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية في فترات عمرها المختلفة وأثناء الحمل والولادة وما بينهما،
دور المرأة في عملية صناعة القرار في الأسرة، إلا أن هناك بعض الدراسات عن المرأة المصرية في الريف والحضر تؤكد أن المرأة تساهم في صناعة القرارات الخاصة بأسرتها، وأن هذه المساهمة تتضح في بعض المجالات المختلفة كمشاركتها في القرارات الخاصة بتحديد مصادر الدخل، وتوزيع الميزانية على بنود الإنفاق والادخار، وزواج الأبناء وتنظيم الأسرة، وتحديد حجمها. و قوة المرأة في صناعة القرار تتأثر بعوامل كثيرة من أهمها التعليم، ومشاركتها في قوة العمل، والمكانة الاجتماعية لأسرة النشأة التي قدمت منها.
المرأة واسعة الثقافة هي التي تسعى إلى إحداث التغيرات في أوضاع المرأة المسلمة، وتحقيق المساواة الكاملة في الحقوق، بعد تزايد مشاركة المرأة في مختلف ميادين الحياة، وعملها خارج المنزل، بالإضافة إلى ارتفاع مستواها الاجتماعي وبروزها في عالم الأعمال يشكلان واحداً من أبرز وأهم القوى العاملة في إحداث التغيير.

الإسلام وحقوق المرأة السياسية

أنصف الإسلام المرأة، ورفع عنها الظلم والحيف وما عانته من تمييز في العصور السابقة على نزول القرآن. وكان من أثر ذلك، الاعتراف بحقها في المشاركة في تدبير شؤون المجتمع كافة، اقتصادية واجتماعية وقانونية. وأصبح لها شأن في المجال السياسي، حيث تستشار في الأمور كلها، أكانت إدارية أو حربية، بل وتشارك إلى جنب أخيها الرجل سواء بسواء في تسيير شؤون المجتمع وتدبيرها.
واستمرت المرأة بعد ذلك تواصل إثبات وجودها داخل المجتمع، وشاركت بقوة في الحياة العامة، وساهمت في نشر الدعوة .
فلقد تجلى الموقف السياسي للسيدة عائشة، رضي الله عنها، حين وقفت في صف معارضي الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، خليفة المسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وكانت السيدة عائشة من أعلم النساء المؤمنات ببواطن الأمور، وكثيراً ما كانت تشارك بالرأي في علاج أخطر الأمور التي تعرضت لها الدولة الإسلامية، واستطاعت أن تروي أكثر من ألف حديث صحيح.
المرأة والمشاركة في الحياة العامة

قامت المرأة بأدوار نضالية من أجل استقلال بلدان العالم الإسلامي من السيطرة الأجنبية، كما أنها حملت السلاح في صفوف المقاتلين، وما زالت تقوم بدورها النضالي في الكفاح المسلح للشعب الفلسطينى من أجل استرداد حقوقه من العدو الصهيوني. وهناك صفحات مشرقة للمرأة في تاريخ الحركات الوطنية الحديثة. ومع ظهور الاتحادات النسائية والمطالبة بالحقوق السياسية، اكتسبت المرأة حق التصويت والترشح للمجالس التشريعية في العديد من الدول، وتولت في بعضها مناصب عليا في السلطة التنفيذية. ومع ذلك فإن مشاركة المرأة في الحياة السياسية في البلدان الإسلامية تتراوح بين المد والجزر، وذلك يتوقف على عدة عوامل داخلية وخارجية. وبالرغم من الستار الذي فرضته التقاليد على النساء، فقد برز عدد منهن كعائشة التيمورية التي غدت شاعرة وأديبة. وملك ناصف أو باحثة البادية التي كان لها دور بارز في ميدان المشاركة السياسية، ووضعت كتاباً بعنوان "حقوق النساء" وأهم ما أشارت إليه في هذا الكتاب حق المرأة في الانتخاب.
ونذرت نبوية موسى حياتها لتعليم المرأة، وبرهنت على قدرة المرأة على تولي المناصب العليا، حيث نجحت في الوصول إلى أرقى المناصب التربوية بوزارة المعارف، ونجحت في إصدار مجلة الفتاة الأسبوعية 1937، ولها كتاب "المرأة والعمل". وحين نسير مع نيل المرأة لحقوقها المدنية والسياسية في مطلع العصر الحديث، نتوقف عند ثورة 1919 في مصر التي شاركت فيها المرأة بنصيب كبير. ولقد ارتبطت هذه المشاركة الفعالة من جانب المرأة في الأحداث السياسية المرتبطة بثورة 1919 بالتطلع الفعلي إلى التعليم.
لقد حرصت المرأة المصرية منذ عام 1907 على المشاركة في المؤتمرات السياسية داخل مصر وخارجها، حيث حضرت السيدة انشراح شوقي مؤتمر بروكسل 1910، الذى دعا إليه الزعيم محمد فريد من أجل نصرة القضية المصرية. وسقطت أول شهيدة مصرية للثورة في العصر الحديث وهي السيدة حميدة خليل في ثورة 1919(20).
ولقد اعترف سعد زغلول زعيم الثورة في مذكراته بدور المرأة السياسي في ثورة 1919، وكانت مثالاً للمصري الذي جاهد من أجل بلاده.
كما كان دور السيدة صفية زغلول مثالاً للمرأة المصرية التي تصدت لمواصلة الثورة حتى بعد نفي زوجها سعد زغلول، لقد كانت تساند سعد زغلول في نشاطه السياسي حتى بعد نفيه خارج مصر، حيث كانت تجتمع مع زعماء الوفد في بيت الأمة.
وكما ساهمت المرأة المصرية في إشعال الثورات وعلى الأخص في ثورة 1919 مناضلة وشهيدة، كذلك ساندت المرأة السورية الثورة السورية، كما شاركت المرأة الجزائرية في ثورة الجزائر، وقبلها ساهمت المرأة العراقية بنقض معاهدة بورتسموت، ثم المرأة الفلسطينية في مقاومة الاحتلال البريطانى، ثم بعده مقاومة الاحتلال الصهيوني.
العوامل التي تؤثر في معدلات مشاركة المرأة في التنمية
1. عوامل التشريع :
وهي كل ما تتخذه المجتمعات من سياسات وإجراءات لتطوير النظم المجتمعية التي تحدد الحقوق والواجبات، وتنظم العلاقات بين الدولة والمواطن. ويتمثل ذلك في إصدار تشريعات وقوانين تمكن المرأة وتمنحها القدرة لكي تمارس أدوارها المنوطة بها في المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، كحق المرأة في الانتخاب والترشيح، وإتاحة الفرصة أمامها كي تنضم إلى التنظيمات السياسية والجمعيات التطوعية، حتى تستطيع أن تمارس أنشطتها الاجتماعية، وإتاحة الفرصة أمامها بأن تتقلد المناصب القيادية العليا في المجتمع.

2. التعليم والتدريب :
لاشك أن التعليم يسهم في تغيير أوضاع المرأة بشكل كبير، ويضمن لها مستقبلاً أفضل. ويتوقف مدى إسهام المرأة في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على ما حصلت عليه من تثقيف وتأهيل، حيث يزيد التعليم والتدريب من إمكانية المرأة على العمل ورفع مستوى توقعاتها في الحياة، ويخفّض نسبة الخصوبة، ويزيح التقاليد الخاطئة،.
3. التحرر من التمييز والفقر، تحقيقاً للمساواة :
لا يمكن الحديث عن الرقي بوضعية المرأة بدون إزالة كل أشكال التمييز التي تحد من تمكينها وإدماجها في التنمية. وأول شكل من أشكال التمييز هو معاناة المرأة بصفة عامة، والمرأة التي تعيش في المناطق الريفية والنائية بصفة خاصة، من الحرمان والفقر، مما رسخ فكرة تأنيث الفقر باعتبار أن المرأة أكثر فئات السكان تضرراً وحرماناً وتخلفاً.
4. وسائل الإعلام والثقافة :
تلعب وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة دوراً خطيراً في تغيير الآراء والمعتقدات، وفي إعادة توجيه سلوك الأفراد خاصة في الشرائح الثقافية والطبقات الاقتصادية والاجتماعية المتوسطة، حيث يسهل التأثير والتغيير في معتقداتهم وأنماطهم القيمية والسلوكية السائدة.
وتنتشر أجهزة الإعلام والتثقيف بمختلف أنواعها في بلدان العالم الإسلامي، وتنقل هذه القنوات في برامجها وموادها وأساليب تعبيرها صوراً إيجابية وقيماً اجتماعية عن المرأة، من حيث حرصها على التماسك والاستقرار بين أفراد أسرتها، ومن حـــيث احترامها للعادات والتقاليد، إلا أننا نجد على النقيض من ذلك العديد من المواد والبرامج الإعلامية التي قد تكرس قيماً غريبة عن مجتمعاتنا الإسلامية لا تظهر من المرأة إلا صورة الأنثى، أو التي تكرس أفكار الضعف النوعي والنقص الفكري والتبعية للرجل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق